تأملات في إعتزالية واصل بن عطاء بين الجهمية و الأشعرية

 





    و عندما تمخضت قريحة واصل إبن عطاء عن إفراز "حكم مرتكب الكبيرة" اللي أدى في النهاية لإعتزاله مجلس الحسن البصري و إنشاء فرقة المعتزلة، تمخضت قريحته بإفراز آخر أشد تعنتا من سابقه هو رأيه في الحرية "إنها حرام لإنها إكتساب صفة من صفات الكمال و الكمال خاص بالله وحده"، هنا مشكلة واصل إنه إنطلق من المطلق و قرر عدم التعرض ليه في مقابل إنه نقد النسبي، و طبعا لإن المطلق (لا يُمَس) فكان من المقتنعين برأيه ناس كتير.

    الفكرة إنك ماتدركش إن لو تملك النسبي صفة من صفات المطلق ..فده لا يوجب إنتقاص النسبي أو إعتباره لا يستحق الكونية الصيرورية الخاصة به ولا بد من تدميره، بل هو في الحقيقة ينتقص من المطلق، و يجعله نسبي بما إنه ممكن شيء نسبي يُفترض به إنه أدنى مرتبة من المطلق إمتلاك صفة المطلق الكاملة أو إحداها، عشان كده كانت الحرية ملزمة للإنسان، كمذهب جديد أتبعه شخصيا، أرى الإنسان مطلق نسبي قابل للنقد و التحديث و مش مركز الكون و بيهتم بعلاقته بالطبيعة، و هنا تكمن نسبيته..و يسعى لرقيّه، و له قيمة تتحسب من مساهمته في إثراء الطبيعة إيجابا وهنا يكمن إطلاقه.

    ماتنساش إن واصل بن عطاء و الجهمية, ثم إعتزاله و إنشاء فرقة المعتزلة و الخلافات السياسية بين علي و معاوية على الإمامة بعد مقتل عثمان، سببه الإنشقاق الفلسفي الواسع بين الفكر الاسلامي اللي كان مسيطر على المنطقة ساعتها(علم الفقه و علم الكلام) و نظرتهم للحرية و المدارس اللي نشئت بعدها.

    وطبعا بما إن الجهمية كانت شايفة إن كل الأفعال جبر من الله، و إن كل التصرفات تنسب مجازا للشخص لكنها في الحقيقة فعل الله نفسه، وان كل ماهو مترتب على التصرفات جبر بحكم المسير نفسه، (فعل جبري يؤدي لثواب و عقاب جبريين)، و عليه فإن الحرية شرك بالله و إكتساب لصفة مش من حق الإنسان (لاحظ إنه يستطيع يكسبها و معنى ده إن الجبر إختياري أو فرض لإنه لو خرجت منه فلازم تخرج من منظومة الجبر "الحياة")، و الرأي الجهمي مش قديم قوي أو ممكن إعتباره منتهي، بل لايزال ناس كتير بتفكر بالطريقة دي و بيستند  جهم في قوله على الآية (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)، و بالتالي فإن خلق الافعال من حق الله فقط ولو كان الإنسان حر في خلق أفعاله هيبقى بيشارك الله في تصرف من خصائصه، و ده ضد العقيدة و ضد - مايراه هو - هية الأنسان و غرضه وهو  تنفيذ مشيئة الله على الأرض.

    و هنا بيجي دور واصل بن عطاء اللي كان و المعتزلة مدرسة لإستخدام العقل بشكل واسع في التفسير الديني للأيات، و كان شايف إن الأنسان عنده إرادة حرة و بيخلق أفعاله بنفسه،  وإن الله كامل و ظلمه للناس يتنافى مع الكمال ده، و بما إنه كامل فهو عادل و بما إنه عادل فهو بيدي الإنسان الحرية لإن الجبرية تسقط مسئولية الإنسان عن نتائج افعاله، و بكده ماينفعش تحاسبه على أفعاله إلا لما يكون حر  في تصرفاته تماما و إن الحرية مش شرك بالله لإن الله زي ماخلقه حر فهو خلق الإنسان بقدرات محدودة تساعده على تنفيذ تكليفاته على الارض.

    للأسف المعالجة اللي عملها الأشعري للنظريتين (الجبرية و وحرية واصل)، مش معالجة كاملة،  لكن ظروفها إضطرته لصياغة نظرية الكسب الوسط بين الفكرتين و اللي بتيجي على حساب واحدة ضد التانية بشكل غريب أحيانا، عشان ينهي الصراع الإسلامي و الفرق اللي كانت بتكفر بعضها، فهو عاب على الجهمي إنه سلب كل إرادة حرة للإنسانة  و ده معناه سقوط التكليف، و اتفق معاهم في إن الله هو الخالق الوحيد للأفعال منعا للشرك بالله.

    و إختلف مع واصل في إن الإنسان مش حر بالإطلاق و خصوصا في خلق الأفعال لإن ده معناه إن هناك خالق للأفعال غير الله، لكن إتفق مع واصل في إن حرية إرادة الإنسان هتخليه مسؤول عن أفعاله و يؤكد على العدل الإلهي، و بكده صاغ الأشعري نظرية الكسب:

- التلازم بين إرادة العبد و إختياره لللأفعال من ناحية و إن ربنا يخلق الأفعال دي من ناحية تانية (الرغبة و الإختيار من الإنسان و الخلق من الله)، دور الله أصبح إشرافي أو إداري أكتر و الإنسان يقف في الصف الأمامي للافعال و تحملها، و ده بينفي برضه عن الله تحديد هل الأفعال في مصلحة العبد ولا لأ.

- الثواب و العقاب مرتبط برغبة الإنسان و نيّته في إختيار الأفعال .

Comments

Popular posts from this blog

١٦ يناير ٢٤

علاقات محكومة بالموت

٢١ يناير ٢٤